الوحدة لـ الشيخ علي الطنطاوي … من كتاب : من حديث النفس

ما آلمني شيء في الحياة ما آلمتني الوحدة ، كنت أشعر كلما انفردت بفراغ هائل في نفسي ، وأحس بأنها غريبة عني ، ثقيلة علي لا أطيق الإنفراد بها ، فإذا انفردت بها أحسست أن بيني وبين الحياة صحاري قاحلة ، ويبدأ مالها من آخر ، بل كنت أرى العالم في كثير من الأحيان وحشاً فاغراً فاه لابتلاعي ، فأحاول الفرار ، ولكن أين المفر من نفسي التي بين جنبي ، ودنياي التي أعيش فيها ؟

ان نفسي عميقة واسعة ، أو لعلي أراها عميقة واسعة لطول ما أحدق فيها ، وأتأمل جوانبها ، فتخيفني بسعتها وعمقها ، ويرمضني أنه لايملؤها شيء مهما كان كبيراً ـ ـ ـ وهذا العالم ضيق أو لعلي أراه ضيقاً لاشتغالي عنه بنفسي ، وشعوري بسعتها ، فأراه يخنقني بضيقه ـ ـ ـ

إني أجمع العالم كله في فكرة واحدة أرميها في زاوية من زوايا نفسي ، في نقطة صغيرة من هذا الفضاء الرحيب ، ثم أعيش في وحدة مرعبة أنظر ما يملأ هذا الفضاء ـ ـ ـ

إني كلما انفردت بنفسي ، فتجرأت على درسها ، والتغلل في أعماقها ، بدت لي أرحب وأعجب ، فما هذا المخلوق الذي يحويه جسم صغير ، لايشغل من الكون إلا فراغاً ضيقاً كالذي يشغله صندوق أو كرسي ـ ـ ـ ويحوي هو ــ المكان ــ كله ، ويشمل ــ الزمان ــ ، وينتقل من الأزل إلى الأبد في أقل من لحظة ، وينتظم ــ الوجود ــ كله بفكرة ، وتكاد الحياة نفسها تضل في أغواره ؟

من المستحيل أن نفهم هذا المخلوق الذي ندعوه ــ النفس ــ لذلك نخاف الوحدة ونفر منها ، إننا نخشى نفوسنا ، ولانستطيع أن ننفرد بها ، فنحب أن نشتغل عنها بصحبة صاحب ، أو حب حبيب ، أو عمل من الأعمال ـ ـ ـ ونخشى الحياة ، ونحب أن نقطعها بحديث تافه ، أو كتاب سخيف ، أو غير ذلك مما نملأ به أيامنا الفارغة ، وإذا نحن اضطررنا مرة إلى مواجهة الحياة ، ومقابلة الزمان خالياً من ألهية نلهو بها ، كما يكون في ساعة الإنتظار مللنا وتبرمنا بالحياة وأحسسنا بأن الفلك يدور على عواتقنا ، أفليس هذا سراً عجيباً من أسرار الحياة ، وهي أعز شيء عليه ، ويسعى لتبديدها واضاعتها ؟

عجزت عن احتمال هذه الوحدة ، وثقل علي هذا الفراغ الذي أحسه في نفسي ، فخالطت الناس ، واستكثرت من الصحابة ، فوجدت في ذلك أنساً لنفسي ، واجتماعاً لشملي ، فكنت أتحدث وأمرح وأمزح وأضحك وأضحك ، حتى ليظنني الرائي أسعد خلق الله وأطربهم ، بيد أني لم أكن أفارق أصحابي وأنفرد بنفسي ، حتى يعود هذا الفراغ الرهيب ، وترجع هذه الوحدة الموحشة

انغمست في الحياة لأملأ نفسي بمشاغل الحياة ، وأغرق وحدتي في لجة المجتمع ، واتصلت بالسياسة وخببت فيها ووضعت وكتبت وخطبت ، فكنت أحس وأنا على المنبر بأني لست منفرداً وإنما أنا مندمج في هذه الحشد الذي يصفق لي ويهتف ـ ـ ـ ولكني لاأخرج من الندى ويرفض الناس من حولي ، وانفرد في غرفتي حتى يعود هذا الفراغ أهول مما كان ، وترجع الوحدة أثقل ، فكأنها مانقصت هناك إلا لتزداد هنا ، كالماء تسد مخرجه فينقطع ، ولكنك لاترفع يدك حتى يتدفق ماكان قد اجتمع فيه ـ ـ ـ فماذا يفيدني أن أذكر في مئة مجلس أو يمر اسمي على ألف لساان ، وإأن يتناقش في الناس ويختصموا ، إذا كنت أنا في تلك الساعة منفرداً مستوحشاً متألماً ؟

وجدت الشهرة لاتفيد إلا اسمي ، ولكن اسمي ليس مني ، ولاهو ــ أنا ــ فأحببت أن أجد الأنس بالحب وأن أنجو به من وحدتي ، فلم أجد الحب الاء اسماً لغير شيء ، ليس له في الدنيا وجود ، وإنما فيها تقارب أشباح

أعانقها والنفس بعد مشوقة
إليها,وهل بعد العناق تدان؟
وألثم فاها كي تزول صبابتي
فيشتد ما ألقى من الهيمان
كأن فؤادي ليس يشفى غليله
سوى أن يرى الروحين تلتقيان

ولكن أن تلتقي الأرواح ؟ وأين هذا الحب الجارف القوي الخالص الذي يأكل الحبيبين كما تأكل النار المعدن ، ثم تخرجها جوهراً واحداً مصفى نقياً مافيه ــ أنا ــ ولا ــ أنت ــ ولكن فيه ــ نحن ــ ؟

فنفضت يدي من الحب ، ويئست من أن أرى عند الناس الإجتماع المظلق ، فعدت بطوعي أنشد الوحدة المظلقة

صرت أكره أن التقي بالناس ، وأنفر من المجتمعات ، لأني لم أجد في كل ذلك إلا اجتماعاً مزيفاً ، يتعانق الحبيبان ، ولو كشف لك عن نفسيهما لرأيت بينهما مثل مابين الأزل والأبد ، ويتناجى الصديقان ، ويتبادلان عبارات الود والأخاء ، ولو ظهر لك باطنهما لرأيت كلا منهما يلعن الآخر ، وترى الجمعية الوطنية ، أو الحزب الشعبي ، فلا تسمع إلا خطباً في التضحية والإخلاص ، ولا ترى إلا اجتماعاً واتفاقاً بين الأعضاء ولو دخلت في قلوبهم لما وجدت إلا الإخلاص للذات ، وحب النفس ، وتضحية كل شيء في سبيل لذة شخصية أو منفعة

وجدتني غريباً بين الناس فتركت الناس وانصرفت إلى نفسي أكشف عالمها ، وأجوب مافيها وأقطع بحارها ، وأدرس نواميسها وجعلت من أفكاري وعواطفي أصدقاء وأعداء ، وعشت بحب الأصدقاء وحرب الأعداء ـ ـ ـ

إن منن حاول معرفة نفسه عرضت له عقبات كأداء ، ومشقات جسام ، فإن هو صبر علبها ، بلغ الغاية ، ومالغاية التي تطمئن معها النفس إلى الوحدة ، وتأنس بالحياة ، وتدرك اللذة الكبرى ، مالغاية إلا معرفة الله

وسيظل الناس تحت أثقال العزلة المخيفة حتى يتصلوا بالله ويفكروا دائماً في أنه معهم ، وأنه يراهم ويسمعهم ، هنالك تصير الآلآم في الله لذة ، والجوع في الله شبعاً ، والمرض صحة ، والموت هو الحياة السرمدية الخالدة ، هنالك لايبالي الإنسان إلا يكون معه أحد ، لأنه يكون مع الله

Advertisements

8 Responses to الوحدة لـ الشيخ علي الطنطاوي … من كتاب : من حديث النفس

  1. DaughterofPearls says:

    i like this…so deep…

    do you know that sheikh altantawi’s daughter was the first woman to wear jilbab as we know it? she invented the jilbab we wear today….

  2. hiddensouls says:

    do you know that by using your sister’s facebook you’re technically using facebook yourself and thus, you just need to get facebook so that our relationship can flourish?

    • Sarah says:

      LOL I’m assuming that cooment has nothing to do with the article 😛

      • hiddensouls says:

        I just got a TINY bit jealous of your relationship with her sister. just a tiny bit LOL…

        Listen, DOP…how about you make a facebook account but don’t make it under your name so people won’t know its you…make it like a really random name and add me as a friend and that way NO one will know its you other than me and it will only be for you and I to communicate more 😀
        HOW COOL IS THAT?!?!

        • DaughterofPearls says:

          gmail and hotmail are insulted :p
          why cant our relationship flourish there??

          • DaughterofPearls says:

            and whatever the opposite of flourish is (dies?).. that is what will happen to my studying if i get a distraction like a facebook… whether i call myself by my name or by mickey mouse!

          • Sarah says:

            LOL DOP – get a Facebook so Sireen can be happy about your relationship, and then have Dania change your password so you can’t get on ahahahaha 😉 I hear that works (I think I’m going to have to start doing that inshaAllah)

  3. Anonymous says:

    رحم الله الشيخ والمفكر علي الطنطاوي كل ما فعله في ميزان حسناته

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: